عقدة الدين ومثقف اليوم
بتول الغدّاف
5/8/2024
في عالم التحليل السياسي الحديث، توجد قاعدة غير مكتوبة، يعرفها الجميع جيدا: يمكنك أن تكون ثوريًا، تقدميًا، مناهضًا للاستعمار، شرط أن تترك الدين خارج "الثورة".
انتبه، يرحّب مثقفو اليوم بالدين كتراث، كهوية، كطقس فولكلوري، أو حتى كموضوع بحث أنثروبولوجي. المهم أنه ليس في موقع السلطة أو المرجعية أو الرؤية التي على أساسها تقوم السياسة.
لماذا؟ لأن النضج السياسي "المحايد والواقعي" بحسب مثقفي اليوم لا يدخّل الدين.
وفق هذا المنطق، المجتمعات المقاومة الحقيقية هي تلك التي تثور بلا عقيدة واضحة، تقاوم بلا معنى غيبيّ، وتطالب بالعدالة بلغة محايدة.. شيء يشبه تقارير الأمم المتحدة. وأي شيء آخر يُعد انزلاقًا خطيرًا نحو "اللاعقلانية".
الغريب أن هذا المنطق يفترض أن العالم كان دائمًا هكذا.
كأن البشر استيقظوا ذات صباح وقالوا: فلنخترع الدين، ثم نكتشف لاحقًا أنه كان فكرة سيئة! (كأن المجتمعات العضوية، عبر آلاف السنين، كانت تعيش في فراغ قيمي، تنتظر وصول الحداثة كي تتعلم كيف تُدار)
ولكن يا للأسف، التاريخ لا يوافق هذا التصور.
المجتمعات البشرية، من الأنديز إلى النجف، من أميركا اللاتينية إلى جنوب لبنان، نظمت نفسها حول الدين.
لماذا؟ لان الدين عبر التاريخ كان جزءًا أساسيا في بنيان أي مجتمع. الدين لم يكن رأيًا شخصيًا، ولا خيارًا روحيًا بعد ساعات العمل (لاحظ، ساعات العمل لأن الحياة الحداثوية تلخّص بالعمل). تعريف كل شيء استند للدين؛ تعريف العدل، الواجب، الشرعية، الزمن، الموت، وحدود الطاعة.
ثم وصل الاستعمار، حاملاً هدية ثمينة: دولة حديثة بصراع أوروبي خاص، نشأ من تجربة محددة بين الكنيسة والعمل، بين الإكليروس والإقطاع، بين مؤسسة دينية احتكرت المعرفة وسلطة سياسية أرادت الانفلات منها.
هذه لم تكن مشكلة العالم، وإنما عقدة تاريخية محلية، ثم تم تسويقها على أنها قانون للتقدم، ومثقف اليوم يعرف أكثر مني كم سفك من الدماء واحتلّ من أراض تحت ذريعة التقدم.
وهكذا وُلدت دولة جاهزة للاستعمال:
مؤسسات تتبع أسلوبا غربيا، "قوانين"، "جيوش"، أعلام، ونشيد وطني.
كل شيء موجود وجاهز، "بقياس واحد يناسب الجميع"، (أعلام بلادنا العربية مثلا) أي بمعنى آخر: بلا خصوصية، بلا ذاكرة، وبلا معنى متجذّر في المجتمع والأرض.
أما المرجعيات الدينية، فأُقصيت من المجال العام، طبعا مع الاحتفاظ بها كأداة ضبط اجتماعي عند الحاجة.
الدولة الجديدة أُعلنت نفسها محايدة، عقلانية، علمية.
والنتيجة؟ دولة حيادية فعلا.. تجاه مجتمعها فقط.
ووسط هذا الانعزال السياسي عن المجتمع حدث ما يحدث كل مرة، وما يبدو لمثقفي اليوم بالنتيجة غير المتوقعة: الناس لم يتخلّوا عن الدين.
في فلسطين، كان الدين الطريقة لربط الحاضر بالنكبة، والأرض بالذاكرة، والمقاومة بالواجب.
هذا مزعج، لأنه يجعل الصراع غير قابل للاختزال إلى حدود 1967 أو الى مسارات تفاوضية على الأرض.
في لبنان؟ الدولة موجودة على الورق، والمرجعيات الدينية موجودة في الحياة اليومية.
شبكات خدمات، تضامن، انضباط، ومعنى وانتماء.
(واسمحوا لي.. تحليل هذا الواقع عبر مفردات "الدولة الفاشلة" يعطي شعورًا بالفهم، لكنه ناقص للفهم).
وأكيد، لا ننسى إيران، حيث وصلت البضاعة الأوروبية الى ذروة استخدامها، وكلنا يعلم حين جاء التغيير، بأيّ لباس جاء.
لنكمل، في أميركا اللاتينية، لاهوت التحرير قرر أن المسيح لم يكن مصرفيًا.
القساوسة قرؤوا الإنجيل بوصفه نصًا عن الفقراء وواجب الدفاع عنهم.
والنتيجة كانت حركة دينية تُزعج الرأسمالية، وتُربك التحليل العلماني. والأهم أنها تغيّب اليوم.
في نيكاراغوا، شارك رجال الدين في الثورة الساندينية.
في البرازيل، تحولت الكنائس الشعبية إلى فضاءات تنظيم سياسي.
ومع ذلك، بمساعدتك أيها المثقف في جامعات العلمانية، نجح الأبيض في إقناع كثيرين أن السياسة بلا دين هي الشكل الوحيد المعقول للسياسة. المشكلة أن هذا التصور نفسه جزء من الهيمنة. هذا هو النموذج العالمي؟ تقصد النموذج الأوروبيّ (ثاني أصغر قارة في العالم، للتوضيح.)
وعلى فكرة، علم اليوم، يعيد الدين الى الطاولة: تشرح سارة ماروسِك، في كتاب Faith and Resistance أن الإيمان هو بنية معرفية، لغة لفهم الظلم، وأداة لتحويل المعاناة إلى فعل جماعي منظم: كما وضعه الله. أي أن الدين (سجّلها على الورقة يا مثقف اليوم) يؤسس للسياسة.
لماذا كل هذه المقدمات؟
كتبت هذا كله لنصل إلى اليوم، حيث لاحظت قلقًا حقيقيًّا.
فقد أتى الشيخ نعيم قاسم. ومعه جاء بعض الارتباك اللغوي.
تقرأ في الجريدة اسمه دون اللقب. لماذا؟ الرئيس يحتفظ بلقبه مع تفخيم. العسكري يحتفظ برتبته. الأكاديمي يحتفظ بدرجته. الديبلوماسي يحتفظ بـ"شرعيته الدولية". أما الشيخ؟ يُنادى دون لقبه تحت ذريعة الموضوعية. عزيزي مثقف اليوم، هذا ليس حيادًا وموضوعية، هذا خنوع وخضوع للحداثوية الأوروبية. عزيزي مثقف اليوم، أيها المقاوم، ألا تلاحظ أن لغتك هذه.. أجنبية؟
التحرر المعرفي لا يبدأ بإقصاء الدين.
يبدأ بالاعتراف أن ما نعتبره طبيعيًا هو نتاج تاريخ محدد، مفروض بالقوة، ومعمم بحجة المعرفة.
والقراءة المناهضة للاستعمار، حين "تفزع" من الدين، تكشف مدى "مناهضتها".
مثقف اليوم يريد عالمًا يشبه أوروبا بعد صراعاتها الخاصة، ثم يتفاجأ حين يكتشف أن العالم ورغم المحاولات، لا يتصرف على هذا الأساس، بل يثبت في كل تجربة، تمام العكس.
عزيزي، من الذي بقي على الثغور رغم بطش التكنولوجيا الإسرائيلية؟
وحده غير العقلاني هذا. الديني جدا. حرّا ومحرّرا.